إخوان الصفاء
131
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والثاني أن يرى ويتصور موجودات عقلية مجرّدة من الهيولى ، كل واحد منها قائم بنفسه ، متوجّه نحو ما نصب له من أمره ، وهم ملائكة اللّه تعالى وخالص عباده ، بهم تقع المراسلة والوحي والأنباء ، ومن جهتهم يحصل التأييد . والثالث أن يرى ويعتقد وجودات نفسانية مجرّدة من الأبدان تارة ، ومستعملة لها تارة ، ومتعلقة بها تارة ، وأنها نازلة من جثث الحيوانات بحسب ما يليق بواحد واحد منها من إدراك مأربها وتمكنها به . والرابع أن يرى أنّ بمفارقتها الجثث لا تبطل ذاتها ، وخروجها من الأجساد والحس لا يخرجها من قدرة الباري سبحانه . والخامس أن يرى أن كل واحدة من الموجودات منفردة بذاتها لا يصلحها ولا يفسدها إلّا ما يتعلّق بها من سوء أعمالها ، أو فساد آرائها ، أو رداءة أخلاقها ، أو تراكم جهالاتها . والسادس أن يرى أن الباري تعالى إذا أمر الناس أمرا مكّنهم منه وأزاح عللهم فيه ، فمنهم طائع لأمره ، ومنهم راكب نهيه . والسابع أن جعل لكل صنف من أصناف الطاعات والمعاصي جزاء من الثواب والعقاب ، ويعلّم المأمورين والمنهيين عنه أنه إذا ما أتوه على بصيرة أوجب الأجر وقطع العذر : « ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة » . والثامن أن يرى أن لهم معادا فيه مجازون بما أسلفوا من خير وشر وعرف ونكر ، وأنه قد جعل إلى كل واحد تمهيد مثواه وإصلاح مأواه ، فإن أحسن فلنفسه ، وإن أساء فعليها ، وما ربّك بظلّام للعبيد . والتاسع أن يرى أن الدعاء إلى اللّه تعالى أولى الأعمال بالثواب ، وأرفعها درجة عند المآب . والعاشر أن يرى أن الدعاة إلى اللّه تعالى هم أعلى الناس درجة ، وأرفعهم منزلة ، وأشدّهم في الدعاء إلى اللّه تعالى حرصا ، وأكثرهم فيه دربا وأوسعهم